الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

56

نفحات الولاية

أحد معانيها ، المساواة ، ومن هنا يقال لمن أفلس : « المال أُسوة بين الغرماء » . فإن اعتبرنا معنى « أسوة » حسب المتعارف ( الاقتداء ) فسيكون مفهوم العبارة أنّ طلحة والزبير وأمثالهما اعترضوا على الإمام عليه السلام : لم لم تقتد بسيرة عمر وعثمان ؟ فأولئك كانوا يراعون شأن الشخص واسمه وعنوانه في العطاء ولم يسوّوا في العطاء بين المسلمين قط . ثم قال : « فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيَما قَدْ فَرَغَ اللَّه مِنْ قَسْمِهِ ، وَأَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ ، فَلَيْسَ لَكُمَا ، وَاللَّه ، عِنْدِي وَلَا لِغَيْرِكُمَا فِي هذَا عُتْبَى « 1 » » . واختتم الإمام عليه السلام كلامه بالدعاء له ولهم موصياً إيّاهم بالثبات على الحقّ والصبر عليه فتضرع قائلًا : « أَخَذَ اللَّه بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ » . من الواضح أنّ الحقّ مرير في أغلب المواقع ويصعب تحمله ، وهذا ما يجعل الإنسان أحياناً لا يرى الحقّ ولو رآه لا يحتمله ، لذلك يطلب الإمام عليه السلام من اللَّه شيئين ؛ الأوّل أن يريه والآخرين الحقّ كما هو ، ومن ثم يتلطف عليه بتحمل مرارته . ورد في إحدى قصار كلمات « نهج البلاغة » أنّه عليه السلام قال : « إنَّ الْحَقَّ ثَقيلٌ مَريءٌ وَإنَّ الْباطِلَ خَفيفٌ وَبيءٌ » « 2 » . ثم قال عليه السلام : « رَحِمَ اللَّه رَجُلًا رَأَى حَقًّا فَأَعَانَ عَلَيْهِ ، أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ ، وَكَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ » .

--> ( 1 ) . « عتبى » من مادة « عتب » على وزن « خطب » تعني في الأصل الانزعاج الباطني وإذا وردت في باب الأفعال عنت إزالة هذا الإنزعاج وبما أنّ عتاب الطرف المقابل أحد أسباب إطفاء غضبه ، فإنّ العتبى ترد بمعنى العتاب وهذا هو المعنى المراد بها في العبارة . والإمام عليه السلام يقول لطلحة والزبير ليس لكما حق عتابي والإنكار علي . ( 2 ) . نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 376 .